تقارير و مقالات

السلوك الانتهازي: هل ينبئ عن مرض نفسي؟

ما هو الفرق بين الذكاء الاجتماعي والسلوك الانتهازي؟

لا يمكن النظر إلى السلوك الانتهازي في نطاق ضيق خاصة عند شيوعه وتبنيه على نطاق واسع
  • العلاقات التي يتم تأسيسها على المصلحة تكون من الهشاشة بحيث يكون انهيارها سريعا ومدويا ومسببا لآثار نفسية جسيمة

يثور الجدل دائما حول السلوك الانتهازي في المجتمعات الحديثة، لتمدده في تشابكات عميقة نحو جوهر الأخلاق وأبعاده النفسية والاجتماعية.

وتطلق صفات فيها معاني الانتهازية على أشخاص يقتنصون الفرص، أو نكسات أعضاء المجتمع الآخرين لاستغلالها ولتحصيل مكاسب مادية أو اجتماعية، وإن تجاوز ذلك المتعارف عليه من علاقات أو مصلحة عامة أو قيم.

هنا نجيب عن السؤال: هل السلوك الانتهازي سلوك يكتسبه الإنسان من محيطه وتجارب معايشته للآخرين، أم هو دلالة على مرض نفسي يستوجب المعالجة؟

ما هو السلوك الانتهازي؟

الحديث عن السلوك الانتهازي يشير إلى توصيف تصرفات تبدر من شخص يستغل من خلالها الأشخاص أو المواقف أو القوانين على نحو يصب في مصلحته الشخصية، دون التزام بعواقب أخلاقية أو اجتماعية أو دينية، حيث تغيب لديه المقدسات والحدود.

ولا ينحصرهذا السلوك في ميدان من ميادين الحياة دون البقية، وإنما يظهر في مجالات العمل والسياسة والعلاقات الاجتماعية، بل وداخل محيط الأسرة.

بالطبع لا يشمل هذا التعريف كل من يحاول الاستفادة من الفرص المتوفرة، باعتبار أن الوسيلة هنا هي جوهر الأمر، فإن كان الخداع وإلحاق الأذى بالآخرين، واستخدام الأكاذيب، واستغلال الظروف هو وسيلة شخص ما لتحقيق مكاسب فإن ذلك يشير إلى سلوك انتهازي واضح لا لبس فيه.

السلوك الانتهازي بعين علم النفس

لا يعتبر السلوك الانتهازي ذاتُه مرضا نفسيا في علم النفس، غير أنه قد يكون سمة متصلة ببعض الاضطرابات النفسية أو السمات الشخصية مثل اضطراب الشخصية النرجسية الذي يجعل الشخص يقدس مصالحة ولو داس على مصالح غيره من بقية أعضاء المجتمع، واضطراب الشخصية المعادية للمجتمع، والذي يتصف صاحبه بعدم احترامه للقوانين وضوابط المجتمع الأخلاقية، واستغلال الآخرين دون شعور بوخز الضمير.

وبالرغم من الإشارات المهمة السابقة فقد يبدو السلوك الانتهازي من شخصيات لا تعاني أي اضطراب نفسي، وإنما تنامى لديهم هذا السلوك البغيض بسبب عوامل تربوية أو بيئية.

ذلك يطرح السؤال عن ماهية أسباب هذا السلوك الهدام.

الأسباب النفسية والاجتماعية للسلوك الانتهازي

يمكننا تعداد جملة من الأسباب التي تؤدي إلى بروز السلوك الانتهازي لدى شخص ما في المجتمع ومنها:

1/ سوء التربية والتنشئة الخطأ: يتبنى أشخاص كثيرون السلوك الانتهازي كطريقة ونهج في الحياة لسبب نشأتهم في بيئات أسرية أو اجتماعية تشجع على تحقيق الأهداف والمكاسب بأي وسيلة بغض النظر عن مشروعيتها الدينية والقانونية.

2/ ضعف قيم المجتمع الأخلاقية: يسهم تراجع قيم المجتمع الأخلاقية في تعزيز هذا السلوك، حيث يكون الجو العام غير مشجع على الأمانة والتعاطف والمسؤولية الاجتماعية.

3/ الشعور بالخوف: بعض الإنتهازيين نجدهم قد تبنوا هذا السلوك بسبب الخوف من الفشل أو الفقر في مجتمع يمجد المال، أو البحث عن مكانة اجتماعية في مجتمع لا يقيم وزنا إلا لذوي المناصب.

4/ التعرض للاستغلال: ينحو بعض الأشخاص نحو الانتهازيين بسبب التعرض للاستغلال، فيتبنون السلوك نفسه كسلاح دفاعي.

السلوك الانتهازي
التملق أبرز مظاهر السلوك الانتهازي

ما هي صفات الشخص الانتهازي؟

من خلال التعاملات الاجتماعية اليومية والعلاقات في الشوارع والأسواق والعمل نستطيع تمييز صفات الشخص الانتهازي ومن أبرزها:

1/ تقديم مصلحته الشخصية على أي اعتبار آخر وإن كان دينيا أو أخلاقيا.

2/ يتميز بقدرات كبيرة في التلاعب والتمويه والتضليل.

3/ يتميز الانتهازي بتغيير المبادئ التي يفترض أن تكون راسخة والمواقف حسب الظرف الآني والمصلحة الحالية.

4/ يتميز الانتهازي بضعف التعاطف وعدم الشعور بالذنب.

5/ يستخدم الانتهازي الآخرين كوسيلة لا غاية.

لكن علينا الانتباه إلى أن الانتهازي قد يعمد إلى إخفاء هذه الصفات تحت وجه آخر قد يبدو لطيفا ولا يشف عما تحته.

السلوك الانتهازي والمجتمع

لا يمكن النظر إلى السلوك الانتهازي في نطاق ضيق خاصة عند شيوعه وتبنيه على نطاق واسع، فهو يدمر الثقة بين أفراد المجتمع ويضعف التعاون بين الناس، وينمي الحذر والشك، ويجعل من الفساد المالي والإداري أمرا طبيعيا بل ومحمودا في المؤسسات.

ويتنامى السلوك الانتهازي ويثمر في المجتمعات الموبوءة بضعف الرقابة أو انعدام العدالة، بسبب مكافأة أصحاب النتائج العالية بغض النظر عن الوسائل التي اتبعوها للوصول إلى تلك النتائج.

السلوك الانتهازي
الشخص الانتهازي لا يعبأ بمنظومة القيم الدينية والاجتماعية والأخلاقية

أضرار الانتهازية على الشخص

مع مرور الوقت تنسحب أضرار السلوك الانتهازي من المجتمع إلى الشخص نفسه، فمع تكرار تجاربه مع الآخرين تنهار ثقتهم فيه وسرعان ما يجد علاقاته قد انحصرت على أشخاص لا تجمعهم إلا المصالح وقد انفض الصالحون من حوله.

ويعيش الانتهازي ضغطا نفسيا مستمرا ناتجا عن قلقه من اكتشاف الناس لنواياه وخباياه الخبيثة.

هل يمكن علاج السلوك الانتهازي؟

يتم التعامل مع هذا النوع من السلوك بحسب الحالة باعتبار أنه ليس مرضا نفسيا محددا، فعندما يرتبط باضطراب نفسي فإن المختص يعمل على تعديل أنماط التفكير والسلوك.

وفي حالة كون ذلك سلوكا مكتسبا فإن المعالج المتخصص يعمل على إعادة إنشاء القيم الأخلاقية وتعزيز الوعي الذاتي.

ويساعد وجود القوانين الرادعة والصرامة في تطبيقها في إعدام فرص الانتهازية والاستغلال.

السلوك الانتهازي
الانتهازي لا يشعر بالذنب تجاه ما سببه للآخرين

ما هو الفرق بين الذكاء الاجتماعي والسلوك الانتهازي؟

لا يجمع بين الذكاء الاجتماعي والسلوك الانتهازي جامع، فالذكاء الاجتماعي يؤسس على فهم الآخرين وإنشاء علاقات قائمة على المنفعة المتبادلة والاحترام بين الناس.

أما السلوك الانتهازي فيكون استغلالا من جانب واحد، ولهذا فإن تبرير الانتهازية بالذكاء والفطنة أمر يشيع التضليل والاحتيال والكذب في المجتمع، ويصور الانتهازيين على أنهم أذكياء.

السلوك الانتهازي والعلاقات الإنسانية

العلاقات التي يتم تأسيسها على المصلحة تكون من الهشاشة بحيث يكون انهيارها سريعا ومدويا ومسببا لآثار نفسية جسيمة.

ليس ذلك فحسب، فعندما تتكرر تجارب شخص ما في هذا المنحى يجعله ذلك أكثر تحفظا وقليل الثقة في الآخرين فيميل إلى العزلة.

دور المجتمع في محاربة السلوك الانتهازي

لا يمكن القضاء على السلوك الانتهازي فقط بالعقاب الرادع، بل عن طريق اتباع توصيات تشكل كل واحدة منها أهمية خاصة تشمل:

1/ إحسان التربية: ويكون ذلك عن طريق غرس القيم الطيبة والأساسية في الأطفال.

2/ التعليم: تعزيز التفكير الأخلاقي ودوافع النقد الذاتي في المناهج الدراسية في مختلف المراحل التعليمية.

3/ القوانين والتشريعات: لا بد من وجود القوانين الرادعة التي تحد من فرص الانتهازية.

4/ إبراز التجارب الناجحة: على المجتمع العمل على إبراز شخصيات نجحت بطرق مشروعة وأخلاقية، والامتناع عن تمجيد الغاية بغض النظرعن مشروعية الوسيلة.

أمثلة من الواقع على السلوك الانتهازي

في الواقع قد نرى تقرب موظف ما إلى مديره فقط للحصول على ترقية، وقد يشي بزملائه أو ينسب جهودهم لنفسه دون أن تطرف له عين.

وقد نرى الشخص الانتهازي داعما ومساندا ومتعاطفا طالما العلاقة تحقق له مكاسب يبتغيها، لكنه يبتعد ما إن تنقضي حاجته.

وكثيرا ما يظهر السلوك الانتهازي في استغلال البعض للأزمات والكوارث وحتى مآسي الوفيات من أجل تحقيق مكاسب مالية أو إعلامية.

ولنا أن نوضح أن هذا السلوك لا يرتبط بمستوى تعليمي معين، أو طبقة اجتماعية بعينها، فهذه التصرفات تظهر في أي بيئة تتوفر فيها فرص الاستغلال وتتراجع فيها المحاسبة.

ختاما

السلوك الانتهازي من الظواهر المعقدة التي تتشابك فيها العوامل النفسية والاجتماعية والثقافية، وهو لا يعتبر مرضا نفسيا محددا، ولكنه قد يعد دلالة على خلل قيمي أو اضطراب نفسي معين.

وللحد من هذا السلوك يجب أن تتضافر جهود فردية ومجتمعية تعمل أولا على تعزيز القيم الأخلاقية ونشر الوعي وبناء البيئة العادلة.

المصدر
مراجع في علم النفس وعلم النفس الاجتماعي

أسبالتا

شبكة أسبالتا الإخبارية (Aspalta News)، منصتكم الأولى لمتابعة آخر أخبار السودان اليوم على مدار الساعة. نقدم تغطية شاملة وموثوقة للأحداث السياسية، الاقتصادية، الرياضية، والثقافية، بالإضافة إلى تقارير حصرية وتحليلات معمّقة تساعدكم على فهم المشهد السوداني والعالمي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى